إخوان الصفاء

27

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

أن يقبل اللّه تعالى توبتكم ، فردوا المظالم ، واكتبوا الوصايا ، والبسوا الأكفان ، واخرجوا إلى المصلّى ، وادعوا اللّه لعله أن يرحمكم أو يتوب عليكم ، أو يمضي فيكم حكمه . ففعلوا ذلك طوعا وكرها . فأما الطائع فهو الذي علم أن في تلف جسده صلاحا لنفسه وخيرة لها ، وأما الكاره فهو الذي جهل ذلك وعميت عليه الأنباء . ثم إن موسى أمر أولئك الذين تجنّبوا عبادة العجل أن يأخذوا السيوف ويضربوا أعناق أولئك عبدة العجل ، ولا يرحموا منهم أحدا ، ولا تأخذهم في أحد منهم رأفة في دين اللّه . ففعل القوم ما أمروا وصبروا إذ علموا أن في ذلك حياة لنفوسهم ، وما كان منهم من أحد إلّا كان له في أولئك القتلى أخ ، أو ابن ، أو قرابة ، أو صديق ، فلم يمنعهم ذلك عن قتلهم ، إذ علموا بأن في تلف أجسادهم صلاحا لنفوسهم ، ونصرة للدين ، وصلاحا لإخوانهم الباقين ، وطاعة لموسى ، ورضى للرب . وكذلك رضيت نفوس تلك السحرة بتلف أجسادهم قتلا أو صلبا ، إذ قال لهم فرعون : « آمنتم له قبل أن آذن لكم » قالوا : « لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا . إنّا آمنّا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر » فصلبهم كلّهم ، ولم يهابوه ، وسمحت نفوسهم بتلف أجسادهم ، لما علمت أن في ذلك حياة لها وفوزا ونجاة ، ونصرة للدين ، وصلاح الإخوان ، وطاعة لموسى ، ورضا للرب . ثم إن موسى ، بعد قتل عبدة العجل ، أراد أن يمرّ إلى الجبل لمناجاة ربّه ، فقال له هارون : احملني معك فإني لست آمن أن يحدث بنو إسرائيل بعدك حدثا آخر ، فتغضب علي مرة أخرى ، فحمله معه . فلما كانا في بعض الطريق إذا هما برجلين يحفر ان قبرا ، فوقفا عليهما وقالا : لمن تحفر ان هذا القبر ؟ قالا : لأشبه الناس بهذا الرجل ، وأشارا إلى هارون . ثم قال له : بحق إلهك إلّا نزلت وأبصرت هل هو واسع ؟ فنزع هارون ثيابه ودفعه إلى موسى ، ونزل